الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما ذكرناه من كونه من عبادة غير اللّه تعالى ، ويدخل فيما اهلّ به لغير اللّه ما ذكر عند ذبحه اسم نبي من الأنبياء أو وليّ من الأولياء ، كما يفعله بعض أهل الكتاب وجهلة المسلمين الذين اتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ( الخامس المنخنقة ) قال صاحب القاموس : « خنقه خنقا ( ككتف ) وخنقا فهو خنق أيضا ( أي ككتف ) وخنق ومخنوق كخنّقه فاختنق ، وانخنقت الشاة بنفسها » وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالا عن مفسري السلف في هذا المعنى ، فعن السدي أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت ، وعن ابن عباس والضحاك : التي تختنق فتموت ، وعن قتادة : التي تموت في خناقها . وفي رواية عن الضحاك : الشاة توثق فيقتلها خناقها . وفي رواية أخرى عن قتادة : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها . قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال هي التي تختنق إما في وثاقها أو بادخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت . وانما قلنا إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره لان المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها . ولو كان معنيا بذلك انها مفعول بها لقيل والمخنوقة حتى يكون معنى الكلام ما قالوا اه وهو المختار عندنا لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع ويغلط من يقول إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة كما قال الصرفيون في مثل كسرته فانكسر . ويتوهم من لا ذوق له في اللغة ان هذه الصيغة لا تجيء الا لما كان أثرا لفعل فاعل مختار ككسرته فانكسر . والصواب ان هذه فلسفة باطلة ، وأن العربي القح إنما يقول انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه انكسر بنفسه أو يجهل من كسره . الا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم ، وهذا لا يتأنى الا في بعض المواد . وأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال ، وان انخنق لا يفهم منه الا ما كان بفعل الحيوان بنفسه كما قال ابن جرير . « تفسير القرآن » « 18 » « الجزء السادس »